روائع الشعر العراقي/معروف الرصافي/خبرٌ في الأرض أوحته السما/ج1
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
خبرٌ في الأرض أوحته السما
لأولي العلم برسل الفكر
أنّ هذي الأرض كانت أولا
ما ترى بحراً بها أو جبلا
أو سهولاً أو رُباً أو سُبُلا
أو رياضا زهرها الغضّ نما
من سحاب جادها بالمطر
إنما كانت كتلك الأخوات
من نجوم سائرات دائرات
حول شمس هي إحدى النيرات
كُنّ من قبلُ عليها سدما
كتلةً واحدة في النظر
ثم بعدُ انفصلت من ذا السديم
قطعٌ منها صغير وجسيم
ضمن أفلاك بها الدورَ تدُيم
فاستقرّ الكلّ فيها أنجما
حول غير الشمس لم تستدر
أولاً نبتون منه انفصلا
ثم اُورانِسُ يهدي زُحَلا
ثم للمشتري مريخٌ تلا
ثم هذي الأرض فالزهرة ما
بعدها غير أخيها الأشهر
وأخو الزهرة بالشمس
اقتدى ولها أقربَ سيّارٍ غدا
وهي سارت خلفهَ طول المدى
فأمام الأرض ذان انتظما
خلفها المريّخ ثم المشتري
أرضنا كانت لظىً مشتعله
مذ من الشمس غدت منفصله
لم تزل في دورها منتقله
كتلةً فيها اللهيب احتدما
وهي ترمي في الفضا بالشرر
كان فيح النار منها مُصعِدا
وهجاً في الجّو عنها مبعدا
حيث لا يمكن أن ينعقد
فوقها منه بخار ديما
هاطلاتِ بالحيا المنهمر
بقيت حيناً وهذا أمرها
وهي بالإشعاع يخبو حرّها
وانثنى يبرد من ذا ظهرها
فاكتست قشراً يحاكي الأدما
واستمرت بطنها في سعر
ثم قد صار على مرّ الزمان
قشرها يغلظ آناً بعد آن
بيد أن النار عند الهيجان
قد أعادت قشرها منخرما
بصدوع مُدهشات البصر
شخصت أطراف هاتيك الصدوع
بجبال شمخت منها الفروع
ولها في العين أشكال تروع
تقذف الأفواه منها حمما
صار منهنّ ركام الحجر
حصلت من قذف هاتيك المواد
حيث يجمدن جبال ووهاد
وركاز وصخور وجماد
بعضها دقّ وبعضٌ عظما
وهو صلب الجسم صعب المكسر
وهناك انعقدت فيها الغيوم
من بخار كان في الجوّ يعوم
رّده البرد مياهاً في التخوم
فجرى السيل عليها مفعما
كلّ غور فوقها منحدر
عمّها السيل فغطى حين سال
سطحها مجترفأ منها الرمال
فطما الماء ولكن الجبال
شخصت في الماء لما أن طما بحث وتقديم ناطق ابراهيم العبيدي